ابن كثير

163

البداية والنهاية

كريم أتحبين أن أزوجك به ؟ قالت نعم . قال أدعيه لي فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها إياه . فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحج فجعل ( 1 ) يحثي على رأسه التراب . فقال بعد أن أسلم : لعمرك إني لسفيه يوم أحثي في رأسي التراب أن تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة . قالت عائشة : فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج في السنح . قالت فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بيتنا واجتمع إليه رجال من الأنصار ونساء ، فجاءتني أمي وأنا لفي أرجوحة بين عذقين يرجح بي فأنزلتني من الأرجوحة ولي جميمة ففرقتها ومسحت وجهي بشئ من ماء ، ثم أقبلت تقودني حتى وقفت بي عند الباب وإني لأنهج حتى سكن من نفسي ، ثم دخلت بي فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على سرير في بيتنا وعنده رجال ونساء من الأنصار ، فأجلستني في حجرة ثم قالت : هؤلاء أهلك فبارك الله لك فيهم ، وبارك لهم فيك . فوثب الرجال والنساء فخرجوا وبنى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتنا ما نحرت علي جزور ، ولا ذبحت علي شاة . حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنة كان يرسل بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دار إلى نسائه ، وأنا يومئذ ابنة تسع سنين ( 2 ) . وهذا السياق كأنه مرسل وهو متصل لما رواه البيهقي : من طريق أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا عبد الله بن إدريس الأزدي ( 3 ) عن محمد بن عمرو ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب . قال : قالت عائشة : لما ماتت خديجة جاءت خولة بنت حكيم [ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ] فقالت : يا رسول الله ألا تزوج ؟ قال : ومن ؟ قالت إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا . قال من البكر ومن الثيب ؟ قالت أما البكر فابنة أحب خلق الله إليك [ : عائشة ] ، وأم الثيب فسودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك . قال : فاذكريهما علي ( 4 ) . وذكر تمام الحديث نحو ما تقدم . وهذا يقتضي أن عقده على عائشة كان متقدما على تزويجه بسودة بنت زمعة ، ولكن دخوله على سودة كان بمكة ، وأما دخوله على عائشة فتأخر إلى المدينة في السنة الثانية كما تقدم وكما سيأتي . وقال الإمام أحمد : حدثنا أسود حدثنا شريك عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت : لما كبرت سودة وهبت يومها لي ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لي بيومها مع نسائه . قالت وكانت أول امرأة تزوجها بعدي . وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر حدثنا عبد الحميد حدثني شهر حدثني عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب امرأة من قومه يقال لها سودة وكانت مصبية ، كان لها خمس صبية - أو ست - من بعلها مات . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما يمنعك مني ؟ " قالت والله يا نبي الله ما يمنعني منك أن لا تكون أحب البرية إلي ، ولكني

--> ( 1 ) من المسند وفي الأصل فجاء . ( 2 ) مسند أحمد ج 6 / 210 و 211 . ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد في حديث طويل 9 / 225 - 227 وقال : " في الصحيح طرف منه ، وروى أحمد بعضه ، صرح فيه بالاتصال عن عائشة وأكثره مرسل ، وفيه محمد بن عمرو بن علقمة : وثقه غير واحد ، وبقية رجاله رجال الصحيح " . ( 3 ) في البيهقي : الأودي بدل الأزدي . ( 4 ) الخبر في دلائل النبوة للبيهقي ج 2 / 411 .